عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

71

معارج التفكر ودقائق التدبر

فقال قائلهم : إنّ صاحبكم هذا لمجنون ، بات يصوّت إلى الصّباح ، أو حتّى الصّباح . فأنزل اللّه تعالى : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 184 ) . عبارة : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مصدّرة باستفهام تعجيبيّ ، توبيخيّ ، إنكاريّ ، يدلّ على أنّ الّذين كذّبوا بآيات اللّه البيانيّة ، قد سلكوا مسلكا منافيا لموازين العقول السّليمة من عدّة وجوه : الوجه الأوّل : أنّ آيات اللّه في القرآن الّذي كذّبوا به ، هي بحدّ ذاتها وما فيها من إعجاز فكريّ وبيانيّ بليغ ، تدلّ على أنّها تنزيل من لدن عزيز حكيم عليم ، وليست كلاما من كلام البشر ، ودلالتها الذاتية هذه تؤدّي باللّزوم العقليّ إلى دلالة أخرى ، وهي أنّ مبلّغ هذا القرآن عن ربّه صادق في تبليغه ، وأنّه أهل للاصطفاء بالنّبوّة والرّسالة ، بمقتضى حكمة اللّه ، منزّل القرآن عليه ، فهو كامل العقل ، عظيم الفطنة ، لا يمكن أن يكون به جنون . فلو أنّ الّذين اتّهموه بالجنون لأنّه دعا عشيرته إلى دين اللّه في مكّة فخذا فخذا ، طوال ليلة كاملة ، تفكّروا في آيات اللّه المنزّلات عليه ، الّتي يبلّغهم إيّاها ، وكان لدى كلّ واحد منهم فكر نظيف ، ورأي حصيف ، ووجدان منصف ، لما اتّهموه بالجنون ، بل لآمنوا به واتّبعوه . الوجه الثاني : أنّ شخصيّة الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ، الّتي عرفوها في تعاملهم معه ، قبل بعثته ، وبعد بعثته ، وأنّ دعوته إيّاهم إلى دين اللّه الحقّ ، وإلى نبذ أوثانهم وعقائدهم الخرافية ، والإيمان الكامل بتوحيد اللّه في ربوبيّته وإلهيّته ، ليس فيها أمارة واحدة على أنّ به جنونا ما . فكيف يتّهمونه بالجنون على سبيل قذف الشتائم ، الّتي يدفع إليها الغضب ، أو النفور ، أو كراهيتهم ترك ما هم عليه من تقاليد ، أو كراهيتهم